الشريف الرضي
324
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
ظهرت خباياهم ووضحت خفاياهم ، ولم يلط [ 1 ] دون اسرارهم ستر ولم يخف لهم سر ، كانوا في حكم من باح بسرائره وخبر بدخائله ، وذلك مثل قول القائل لصاحبه : أخف عني ما شئت أن تخفيه فوالله ما تستطيع أن تكتمني [ 2 ] حديثك ولا تستر عني مكنونك ، يريد لإحاطتي علما بغيبك ووقوفي على جلية امرك فما يكتم عني سرك وإن كتمته ولا يخفى وإن أخفيته ، وعلى هذا قول الشاعر : تحدثني عيناك ما القلب كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر ألا ترى كيف قال : ( تحدثني عيناك ) ونحن نعلم أنه ما تعمد أن يدل بشواهد عينه على ما أضمرته نفسه وكتمه قلبه ! وكيف يكون ذلك ، وقد نطق الشاعر بأن قلبه كاتم ولسانه كاظم ! ولكن البغضاء لما ظهرت في طرفه ونطقت عن لحظه ، صار كأنه نطاق بها ومحدث عنها . فلا يعتد بكتمان هؤلاء الكفار في الآخرة ، إذا كان سرهم عند الله تعالى ظاهرا وإضمارهم باديا . 2 - ووجه آخر ، قيل : إن الآخرة مواطن ومقامات ، كما أن العقاب والثواب منازل ودرجات ، واختلاف كلامهم إنما يكون لاختلاف أحوال القيامة ومواطنها : فموطن لا يعلو به الجرس ولا يسمع فيه إلا الهمس وهو : الصوت الخفي ونقل حركة الاقدام . وموطن يتكلمون فيه ويكذبون ، وذلك قوله : ( ما كنا نعمل من سوء ) فقال
--> ( 1 ) من لط الباب إذا أغلقه ، وفي ( خ ) : بنط . ( 2 ) وفي ( خ ) : تكتمن .